
هل هو حقا تراجع تكتيكى ام اقتطاف الحصاد
كتب ضاحى عمار
في الآونة الأخيرة، أصبح الحديث عن “التراجع التكتيكي” في الساحة السياسية والعسكرية الإيرانية مثار جدل واسع، خصوصًا في ظل التطورات الأخيرة في المنطقة. كثيرون يتساءلون: هل ما يحدث هو بالفعل تراجع تكتيكي، أم أنه أكثر من ذلك؟ هذه التساؤلات تتزايد وسط سلسلة من الانتكاسات التي تعرضت لها إيران وحلفاؤها، مما يجعل من الضروري النظر في ما إذا كان هذا التراجع يعكس تغيرًا استراتيجيًا.
علي خامنئي، المرشد الأعلى للجمهورية الإسلامية الإيرانية، تحدث في مناسبات عدة عن أهمية التراجع التكتيكي في بعض الأوقات. ويرى أن التراجع يمكن أن يكون مفيدًا لتحقيق أهداف أكبر. ولكن ماذا يعني هذا “التراجع” فعليًا؟ هل هو مجرد تكتيك مؤقت أم بداية لتغيير أعمق في السياسة الإيرانية؟ هذه الأسئلة تصبح أكثر إلحاحًا عندما ننظر إلى السياق الذي تحيط به هذه التصريحات.
سياق الانتكاسات
النظرة الأقرب للوضع الإيراني الحالي تكشف أن الانتكاسات ليست مجرد أحداث عابرة. ففي أبريل 2024، اغتيل قائد فيلق القدس في الحرس الثوري الإيراني، محمد رضا زاهدي، في غارة إسرائيلية استهدفت السفارة الإيرانية في دمشق. وعلى الرغم من حساسية هذا الحدث، لم يكن هناك رد فعل قوي من الجانب الإيراني. هذا الصمت الذي أعقب الغارة زاد من التكهنات حول مدى استعداد إيران وقدرتها على الرد في ظل الظروف الحالية.
ولم يكن مقتل زاهدي الحدث الوحيد الذي شكل ضغطًا على النظام الإيراني. اغتيال إسماعيل هنية، قائد حماس، في قلب طهران وتحت حماية الحرس الثوري كان ضربة موجعة أخرى. وفشل إيران في تقديم الدعم المطلوب لحركة حماس – الحليف الأبرز لها في غزة – ألقى بظلاله على قدرة إيران في الاستمرار بدعم حلفائها. الوضع مع حزب الله في لبنان لم يكن أفضل. فمع تعرض الحزب لهجمات إسرائيلية مكثفة، لم تقدم إيران الدعم المتوقع، ما دفع البعض للتساؤل حول مصير هذا التحالف الذي لطالما كان حجر الزاوية في الاستراتيجية الإيرانية.
مخاطر فقدان النفوذ
كل هذه الأحداث تشي بتراجع في النفوذ الإيراني، ليس فقط في لبنان، بل في المنطقة العربية بأسرها. حزب الله، الذي كان لسنوات طويلة يُعتبر الذراع الأقوى لإيران في المشرق العربي، يواجه اليوم تحديات غير مسبوقة. وإذا فقد الحزب قوته العسكرية أو أصبح عاجزًا عن التصدي لإسرائيل، فإن النفوذ الإيراني في لبنان سيتقلص بشكل كبير.
لكن الأهم من ذلك هو أن النفوذ الإيراني في الشرق الأوسط يعتمد بشكل كبير على قدرتها على استخدام حلفائها لإدارة الحروب بالوكالة. إذا فقدت إيران هذه الورقة، فإنها قد تجد نفسها معزولة في الساحة الإقليمية، خصوصًا أن شعوب المنطقة، التي عانت من السياسات الطائفية لإيران، لم تعد ترى في طهران قوة قادرة على تقديم حلول.
من التكتيك إلى الاستراتيجية
ما يجعل الوضع أكثر تعقيدًا هو أن هذه الانتكاسات ليست مجرد ضربات تكتيكية. بل يمكن القول إنها تكشف عن تغيير أعمق في النهج الإيراني. التراجع الذي يتحدث عنه خامنئي لا يبدو أنه مجرد مناورة قصيرة الأمد. بل هو في الواقع تغيير في الاستراتيجية. القيادة الإيرانية تبدو الآن وكأنها تعيد حساباتها، وتفكر في كيفية التعامل مع الغرب بطريقة جديدة. الحديث عن فتح صفحة جديدة مع الولايات المتحدة، كما أشار الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان، ليس مجرد شعار سياسي. إنه يعكس رغبة إيرانية في التوصل إلى تفاهمات مع القوى الغربية، بدلاً من الاستمرار في سياسة المواجهة.
لكن هذا التحول ليس سهلاً. القيادة الإيرانية تعرف جيدًا أن التراجع سيُنظر إليه داخليًا وخارجيًا على أنه ضعف. لهذا السبب، يحاول خامنئي إقناع الشعب الإيراني بأن هذا التراجع هو مجرد خطوة تكتيكية، وأن الهدف النهائي ما زال قائمًا
التحديات الداخلية والخارجية
على الصعيد الداخلي، تواجه إيران ضغوطًا كبيرة. الانتخابات الرئاسية الأخيرة شهدت هزيمة التيار المتشدد، وهو مؤشر على تزايد الاستياء الشعبي من السياسات التي اتبعها النظام على مدى عقود. الشباب الإيراني يريد التغيير، والاقتصاد الإيراني يعاني من ضغوط العقوبات، مع ازدياد الفجوة بين الشعب والنظام.
خارجياً، التهديدات لا تقل خطورة. العقوبات الأمريكية مستمرة، واحتمالية عودة ترامب إلى البيت الأبيض في الانتخابات المقبلة تشكل كابوسًا لإيران، التي لم تستطع حتى الآن تجاوز آثار رئاسته السابقة. العلاقات مع الدول العربية متوترة، والوجود الإيراني في سوريا ولبنان بات مهددًا بفعل الضغوط العسكرية الإسرائيلية والتحركات الدبلوماسية الغربية.
اخيرايمكن القول إن ما يحدث في إيران اليوم ليس مجرد تراجع تكتيكي. إنه تغير استراتيجي. القيادة الإيرانية تدرك أن عليها التكيف مع الواقع الجديد، سواء كان ذلك عن طريق فتح قنوات حوار مع الغرب، أو إعادة النظر في سياستها تجاه حلفائها في المنطقة. لكن هذا التغيير يحمل في طياته مخاطر كبيرة. التراجع الاستراتيجي قد يؤدي إلى فقدان إيران لبعض أوراقها المهمة في المنطقة، وإذا لم تُحسن إدارة هذا التحول، فإنها قد تجد نفسها في موقف أضعف بكثير مما كانت عليه في السنوات السابقة.
الثمار التي سعت إيران لجنيها من سياساتها التوسعية قد تكون ناضجة الآن، لكنها بحاجة إلى مهارة في قطفها




